|
العميد الركن امين حطيط حاليا هو اسـتاذ جامعـي
وكان رئيس الفريق اللبناني في الجيش المسؤول عن
متابعة تنفيذ القرار 425 بعد انهزام اسـرائيـل في
عام 2005 في جنوب لبنان.
لم يعد يخفى على عاقل محترف بالسياسة او حتى لا يعيرها الا اقل اهتماماته، ان لكل ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية هدفاً وحيداً: نزع سلاح المقاومة، والغاء تلك الاسطورة التي الغت بدورها اسطورة «الجيش الذي لا يقهر والتي راجت لاربعة عقود ونيف من الزمن، وجاءت المقاومة في جنوب لبنان، لتقول لاسرائيل: «جيشك عدواني يمكن قهره»، وتقول لمن وراءها «آنظروا ها نحن نتثبت قدرتنا على تحرير ارضنا في الجنوب، وقدرتنا على ردع العدوان..
ولان اسرائيل عجزت عن معاقبة المقاومة التي هزمتها، وكانت سببا من اسباب اذكاء الانتفاضة الفلسطينية المباركة، التي قطفت اول مستحقات التضحية تحريرا لغزة، والباقي من الارض الفلسطينية قيد التحرير، ولان اميركا تريد ان تمسك بتلابيب الساحة اللبنانية معبراً الى ميادين هزائمها في الشرق الاوسط (في العراق وافغانستان) ومسك الساحة هذه لا يكون الا بنزع سلاح المقاومة، لكل ذلك جاء القرار 1559، بتعدد البنود ووحدة الهدف المتمثل بالقول: «المقاومة في لبنان يجب ان تلغى» وجمعت الدولة العظمى لتنفيذ غرضها كل قضها وقضيضها من الداخل اللبناني الذي قبل بصفقة تكون كرامة الوطن وقوته ثمناً يدفعه في سبيل وعد بسلطة او عطاء مالي او ادنى من ذلك، كما ومن بعض العرب، يضاف اليهم الغرب الاوروبي، حشد متعدد الجنسيات جمع امره، وحشد بعض من حسني النية، الى بعض من المغرر بهم في لبنان، ممنياً النفس بتنفيذ الهدف: نزع سلاح المقاومة، لاراحة اسرائيل، وفتح المعبر اللبناني للحركة الاميركية المطلقة..
ومن تعس حظ الافرقاء جميعاً من خارج لبنان وداخله ان خصمهم (حتى لا اقول عدوهم كما يسمونه في غرفهم المغلقة) خصم عقائدي مبدئي، لا تخيفه الحشود، ولا تثنيه المصاعب عن اداء مهمة نذر نفسه لها ـ «تحرير لبنان ارضاً وشعباً، وحماية ما ينجز خوفاً عليه من الضياع».. لذلك افشل كل المحاولات.. من تقرب ابداه بعض الاطراف الذين غالوا في الالتصاق بالمقاومة الى الحد الذي خدع البسطاء بأن اعتقدوا، وهم يرونهم يجولون في الجنوب على مواقعها، انهم من قادتها، اومن تحالف خطط له اخرون حتى كسبوا من المقاومة تأييدها ما جعلهم يفوزون باكثرية نيابية مكنتهم من تولي السلطة، الى آخرين دخلوا الى مكاتب المقاومين واعدين بالتنكر الى ماضيهم الاسرائيلي البغيض، وفتح صفحة جديدة مع «الاخوان العرب» الى.. الى.. والكل يقول للغرب دعوا مسألة السلاح لنا نعالجها بالحوار، وسترون كيف نسلمكم السلاح الذي يزعجكم.. وجرب كل فريق داخلي حظه مع المقاومة، وانتهى الحال بالجميع الى نتيجة واحدة: سلاح المقاومة لا يمكن نزعه بالقوة، فالقوة التنفيذية غير متوفرة في الداخل، وغير ممكنة التوفر اليوم من الخارج، وان الحوار او الطريق السلمي لنزع السلاح غير مجدي لأن بيد المقاومة حججاً لا يمكن دحضها ومنطقاً لا يمكن مواجهته، فكيف يمكن ان نقنع من ارضه محتلة، واسراه في السجون، وشعبه يواجه عدواناً اسرائيلياً لا يردعه رادع من قوة أو اخلاق او قانون، كيف يمكن ان نطلب منه القاء السلاح الذي اختبر ففاز في الاختبار في تحقيق كل ما ذكر.. فالحوار اذن طريقه مسدود اذا كان الهدف منه نزع السلاح..
امام الفشل المزدوج، كانت بدعة لارسن الجديدة فبعد ان حاول تعطيل ما ذكرته الحكومة اللبنانية من أن المقاومة هي مقاومة، ما يعني انها ليست ميليشيا، وبالتالي لا تخضع للقرار 1559، فانه اعتبر وبكل بساطة ان المقاومة هي ميليشيا لان الميليشيا يمكنها ان تقاوم (لن اناقشه في هذا الامر فهو قول لا يأخذ به ادنى الناس معرفة بالشأن) وقد قال بذلك ليتمكن من تقديم الحل الذي يخلصه من المقاومة ويطرح: «دمج المقاومة بالجيش» طبعاً لارسن وهو ظاهرياً موفد الامين العام للامم المتحدة لتنفيذ القرار 1559، ولكنه في الحقيقة المندوب الغربي لتنفيذ المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي هنا، او على الاقل لنقل السفير الاسرائيلي المتجول في الشرق الاوسط.. لارسن لم ينطق من عندياته، بل جاء بالخطة البديلة لنزع سلاح المقاومة بطريق غير مباشر.. وقد يسـأل كيف؟ فنـقول..
ان المقاومة لا تمتلك السلاح النووي، وليس لديها الطيران الحربي المدمر، ولا سلاح للدمار الشامل، او الدبابات، ولا تملك كل ما انتجت المصانع الحربية في العصر الحديث من تقنية ملأت الترسانة الاسرائيلية، انما لديها السلاح الخفيف الذي يقلبه انسان باع نفسه لربه، وثبت على عقيدته والتزامه ثبوتاً مكنه من قتال غير تقليدي، تمكن عبره من هزيمة الجيش النظامي الذي هزم كل الجيوش النظامية الاخرى التي واجهها، وهو جيش مدعوم من القوة العسكرية الاولى في هذا العالم التي تردد ليل نهار انها حليفته الاستراتيجية التي لن تسمح بالمس به.. اي لن تسمح لأي جيش نظامي، هذا اذا استطاع، ان يهزم اسرائيل التي تحتل ارض الغير وتقتل شعبه، وتتصرف على انها فوق القانون الدولي..
انه من المسلم به، ان العرب عامة، ولبنان خاصة، لا يستطيع مواجهة اسرائيل في ميدان قتال تقليدي نظامي، والسبب لا يكمن في الانسان العربي، فلدينا من الكفاءات والخبرات والارادات القتالية ما ليس لدى العدو، والتاريخ القريب شاهد على ما حقق العرب من نصر في معارك، ولكن العوامل الاخرى التي سبق ذكرها قلبت النصر الى عكسه، وكانت نهاية الحروب مع اسرائيل نصرا يكتب لها.. وعلى هذا الاساس لا يكون من الحكمة ان ندخل الى المجال الذي نعرف النتائج فيه مسبقاً.. ويكفي ان نقول ان اســرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في الشرق الاوسط لنـعلم ما تخفي هذه الكلمة.. هذا عامة اما في لبنان، فان قدراتــنا الماليــة والديموغرافية، والعوامل الدولية الحالية كلها لا تسمح لنا بانشاء الجيش النظامي الذي يمنع العدوان او يردعه، وتاريخنا مع هذا العدو فيه من المآسي اللبنانية ما يضيق المقام هنا عن ذكره..
واليوم يأتي الغرب ليقول ادمجوا الجيش بالمقاومة! وكأن الجيش بحاجة الى عديد .. او كأن المقاومين اعوزهم العيش فحملوا السلاح لتأمين اللقمة ،،، وندمجهم في الجيش لتأمينها لهـم ...
ان دمج المقاومة بالجيش، سيعطل دور المقاومة، ولا يزيد من قوة الجيش، لان قوة المقاومة تكمن في هيكليتها، واسلوب عملها، ومرونة تنفيذها للمهمات ... فالمقاومة مؤسسة دفاعية في اسلوب هجومي، وهي بما تتميز به تفوقت على اسرائيل فهزمتها، فان انتقلت الى الجيش النظامي فانها تخسر خصائص تفوقها، ويكون ذلك بمثابة الالغاء الواقعي لها، لان الموجودات بذاتها، هي وجود ودور (وظيفة) وان الالغاء يكون تاما بالغاء الوجود (القتل او الهدم او التفكيك) ويكون جزئيا بالحد من الدور او تعطيله وينطلق الامر هنا ليكون معادلا للالغاء الكلي عندما يعطل الدوركليا .. ما يعني ان دمج المقاومة بالجيش هو الغاء كلي للمقاومة، اي انه «تكريم لها» بنزع سلاحها ... فيكون لارسن الذي اعترف صراحة بعجز اي قوة اليوم عن نزع سلاح المقاومة، والذي لمس عجز من يحاورون باسم اميركا لتنفيذ المهمة هذه على طاولة الحوار، يكون هذا الشخص جاء «بالحل السحري»، تعطيل المقاومة بمدمجها بالجيش .... فهل يستطيع لارسن وموكلوه تحقيق ذلك؟
في الواقع اللبناني عوائق تصل الى حد استحالة التنفيذ نذكر اثنين منها :
- على الصعيد العسكري المحض داخل الجيش، الكل يعلم بان هذا الدمج غير ممكن لاعتبارات لبنانية محضة لها علاقة بالبــنـية والتنظيم والاعراف، ولا اجد مصلحة في التفصيل هــنا.
- على صعيد المقاومة فهي تعلم ان فعاليتها هي في كونها مقاومة، وانها بخسارتها لخصائص المقاومة، واساليبها تخسر ذاتها، وتتعطل مهمتها، وان الذي نذر النفس لهدف مقدس هو ما ذكرنا اعلاه لن يكون بمقدوره القبول بالتخلي عن هذه المهمة الا اذا توفر الطرف البديل الذي يقوم بها، وفي الافق المنظور لا اعتقد ان البديل موجود، وبالتالي لا يمكن تصور او انتظار قبول هذا الطرح من قبل اي مسؤول لا بل ومن قبل الشعب ذاته الذي نعم بمنجزات المقاومة بعد ان تلظى بنار العدوان الاسرائيلي ...
بالمحصلة ان طرح الدمج كما اعتقد هو التفاف على السلاح لنزعه وهو بالتالي طرح مستحيل، فهو يلبي رغبات اصحاب القرار بنزع سلاح المقاومة، ويحرم لبنان من القوة التي يستند اليها، والتي ما زالت ضرورة ملحة لديه ...
اما حماية لبنان وهي الهدف الاساس فلا نرى حلا لها في الافق المنظور، من غير :
- جيش وطني هو قائم اليوم على عقيدة ظهرت فعاليتها في حفظ تماسك هذا الجيش وادائه لمهماته اداء وطنيا من غير فئوية او شخصانية، (حاول لارسن الاساءة الى قائده، بتسريب امور يعلم حساسيتها، ثم تراجع).
- مقاومة اتثبتت قدرتها على مواجهة العدو وهزيمته، وانقطعت منذ نشأتها لقتاله دون اي شأن آخر.
- وتنسيق لبق ذكي وهو قائم بين المقــاومة والجيــش يحفــظ لكليهما وظيفته ودوره بشكل تكاملي في سبيل الوطن دفاعا عنه.
ان حماية لبنان لا تكون الا بالتمسك بمصادر القوة وليس بالخضوع لاملاءات الاعداء ... وعندها سيضطر لارسن للاكثار من نصائحه لتابعيه، ووعوده لموكليه، وستبقى المقاومة حيث هي والوعود والنصائح من غير تنفيذ،،، الى ان ييأس اولئك ويتركون لبنان وشأنه يتدبر امره بما يحفظ الوطن.
بيروت في 27/3/2006 |